تقارير

عقيدة الصمت وغياب الشفافية: كيف تتحول كواليس الرياض إلى تسريبات وفوضى إعلامية عالمية؟

تاريخ النشر:2026-11-07

في وقت تشهد فيه الساحة الإقليمية والدولية صخباً واسعاً من التسريبات والتقارير المكثفة على غرار ما أوردته صحيفة «وول ستريت جورنال» بشأن اتصالات لاستكشاف شروط تسوية مع الحوثيين ومطالب مالية بمليارات الدولارات، تزامناً مع الأنباء المتداولة حول الاستعانة بخبرات ومشاورات عسكرية إقليمية ودولية، تواصل السلطات الرسمية في السعودية التزام صمت مطبق وغياب تام للشفافية المطلوبة.
هذا النهج المعتاد في إدارة الشأن العام يترك الشارع والمهتمين غارقين في موجات من التخبط وضياع الحقيقة، لتشتعل منصات التواصل وموجات التكذيب والتفنيد من قِبل الحسابات والمنصات المحسوبة على الرياض والمدافعة عن سياساتها، وسط غياب تام لأي بيان رسمي فوري يضع الأمور في نصابها. إن هذا التباين الحاد بين حجم الأحداث وصمت السلطات يثير تساؤلات عميقة حول كفاءة منظومة التواصل والدبلوماسية الإعلامية الرسمية.

أزمة الثقة وفراغ المعلومات
إن التشبث المستمر بعقيدة "دبلوماسية الصمت" وحجب المعلومات الموثوقة عن الرأي العام يخلق فراغاً استراتيجياً تُملؤه الشائعات الخارجية والتقارير الموجهة. فعندما تغيب الرواية الشفافة وتتراجع قنوات التواصل المباشر مع المواطنين والمجتمع، يعيش الداخل في عزلة عامة عما يدور خلف الكواليس من ضغوط سياسية واستراتيجية، فلا يعلم المواطن أين تكمن الحقيقة ولا كيف تُتخذ القرارات المصيرية نيابة عنه. إن هذا التعاطي السلبي يجعل القرار السعودي عرضة دائمة للتأويل،  ويفقد المؤسسات الرسمية زمام المبادرة لصالح منصات الإعلام الخارجي والتسريبات المجهولة.

معضلة الخيارات العسكرية واستنزاف الدفاعات
تأتي هذه التطورات في ظل تعقيدات ميدانية بالغة الدقة؛ حيث تواجه الرياض تحديات هيكلية في بناء تحالف عسكري إقليمي فاعل وقادر على تغيير الموازين على الأرض، وسط تباين في مواقف الحلفاء الإقليميين والدوليين واعتذار أطراف عدة عن الانخراط في أي عمل هجومي بري واسع، فضلاً عن استنزاف الدفاعات الجوية في مواجهة تهديدات متعددة الاتجاهات.
هذه المعطيات الميدانية والسياسية المعقدة، المقترنة باختلال موازين المخاطر على البنية التحتية والاقتصادية، تضع السلطات أمام خيارات مكلفة للغاية. ورغم دقة هذه التحديات، تصر السلطات على إدارة الأزمات بمنهجية التكتم، تاركةً الساحة لردود الفعل العشوائية والأذرع الإعلامية التي تحاول احتواء الأزمات بعد فوات الأوان.
نحو سياسة وطنية واضحة
إن استمرار الهروب للأمام وترك الفراغ المعلوماتي ليُملأ بالتكهنات والتسريبات لا يحمي سيادة الدولة ولا يصنع استقراراً مستداماً؛ بل يكرّس أزمة الثقة العميقة بين الشارع وصنّاع القرار. إن حماية الجبهة الداخلية تبدأ أولاً باحترام وعي المواطن، وكسر ثقافة التكتم الممنهج، وإرساء قواعد الشفافية والمسؤولية الكاملة، لتظل الرواية الوطنية هي الأساس الصلب في مواجهة عواصف الإعلام الخارجي وتجاذباته.