مع كل استحقاق انتخابي في العالم الحر، وتحديداً حين تتجه الأنظار نحو صناديق الاقتراع في الولايات المتحدة لاختيار رئيس جديد أو تجديد الدّماء التشريعية، يتجدد المشهد المألوف على منصات التواصل الاجتماعي وفي المجالس الخليجية والسعودية تحديداً. يطلّ مواطن عربي يعيش في المهجر، أو عربي-أمريكي يشارك في تقرير مصير مدينته أو دولته عبر ورقة اقتراع صغيرة، ليعبر عن أمنيته البسيطة والمشروعة: "ليت بلادنا تشهد يوماً هذا العرس الديمقراطي، وليت لصوتي وزناً في اختيار من يمثلني".
وما إن تلامس هذه الأمنية الفضاء الرقمي حتى تنطلق جوقة الردود -وللأسف من أبناء الشعب أنفسهم الذين تشربوا الرواية الرسمية- مصحوبة بأصوات تقليدية ومحفوظة عن ظهر قلب:
"الديمقراطية نظام غربي لا يناسبنا."
"نحن نحمد الله على نعمة الاستقرار ومجلس الشورى."
"الشعب غير جاهز، وكل شخص سيصوت لابن عمه أو قبيلته، ولا ينفع معنا إلا حكم الأسرة."
هذه الأسطوانة لم تعد مجرد آراء عفوية، بل تحولت إلى عقيدة شعبية مفروضة بالتقادم؛ حيث صدّق قطاع من المجتمع أنه قاصر بطبعه، وأن حكم الأسرة المطلق هو قدره الأبدي الذي لا محيد عنه، رافضين حتى فكرة تداول السلطة أو الانتخاب.
أولاً: تفكيك "أسطوانة عدم الجاهزية" وخرافة التصويت القبلي
الذريعة الكبرى التي تُرفع بوجه أي حراك نحو المشاركة الشعبية -والتي يتبناها بعض الشارع دفاعاً عن واقعه- هي مقولة: "الشعب غير جاهز، ولو منحناهم صندوق الاقتراع لانتخبوا ابن العم والقبيلة، ولا يناسبنا إلا الحاكم الفرد".
وهذا منطق مقلوب ومغشوش لعدة أسباب:
1. القبلية صنيعة الوصاية لا البديل عنها: إن تعزيز العصبيات الضيقة والقبلية لم يكن يوماً خياراً شعبياً بمعزل عن سياسات السلطات التي وظفتها تاريخياً لإضعاف الكتلة الوطنية الموحدة. حين يُحرم المجتمع من الأحزاب، والنقابات، والمجتمع المدني، والبرلمانات الحقيقية ل عقود، فمن الطبيعي أن يلجأ الإنسان إلى عصبيته الصغرى لحماية مصالحه. إذن، القبلية ليست دليلاً على عدم جاهزية الشعب، بل هي النتيجة الحتمية لغياب الدولة المدنية وتغييب سيادة القانون.
2. استئناس العبودية السياسية: الخطير في الأمر ليس فقط فرض الوصاية من الأعلى، بل تبني قطاعات واسعة من الشارع لهذه الوصاية والدفاع عنها، واعتقادهم الراسخ بأنهم "غير مأمونين" على إدارة شؤونهم، وكأن السعودي الذي يدير أعقد المؤسسات والشركات العالمية يعجز عن اختيار من يمثله في البرلمان!
ثانياً: مهزلة "مجلس الشورى" ورضا الشارع بالبديل الشكلي
حين يُناقش المدافعون عن الوضع القائم حول غياب التمثيل الحقيقي، يسارعون إلى التفاخر بما يسمى "مجلس الشورى".
ولكن أي شورى هذه التي يرضى بها الشارع وتُبنى على التعيين الفوقي لا الاختيار الشعبي؟
أعضاء مجلس الشورى لا يختارهم المواطن الذي يدفع فاتورة الكهرباء والضرائب، بل يُختارون بقرار سيادي مغلق، مما يجعلهم مسؤولين أمام من تعينهم لا أمام الناس.
غياب الحق في المساءلة، وحظر استجواب الوزراء، وتحويل المجلس إلى غرفة ديكورية لتمرير القرارات الاقتصادية المجحفة (مثل رفع الأسعار والضرائب)، يلقى قبولاً صامتاً لدى من أدمنوا ثقافة الاتكال وتسليم الزمام بالكامل للأسرة الحاكمة.
إن رضا جزء من الشارع بهذا "الشورى" الشكلي واعتباره كافياً، هو انعكاس لحالة ترويض طويل طمست مفهوم الحق السياسي وأبدلته بمفهوم المنحة والعطية.
ثالثاً: لماذا يرفض قطاع من الشارع صندوق الاقتراع ويستميت في الدفاع عن حكم الأسرة؟
في الملكيات المطلقة، لا يقتصر التحدي على رغبة السلطات في الاستحواذ، بل يمتد إلى "الاستزلام الثقافي"؛ حيث يتعايش قطاع من الشارع مع فكرة أن بقاء حكم الأسرة هو الضامن الوحيد للاستقرار، وأن صندوق الاقتراع هو بوابة للفوضى والتقسيم.
حين يصدق الشارع هذه الرواية:
يتنازل طوعاً عن إخضاع المال العام للشفافية المطلقة والمحاسبة البرلمانية.
يقبل بأن تُناقش العقود الكبرى ومشاريع الدولة في الغرف المغلقة دون أدنى حق للمساءلة.
يرضى بأن يكون المواطن رعية متلقية للقرارات، لا مصدراً للسلطات ولا شريكاً في ثروات وطنه.
هذا التخندق الشعبي خلف فكرة "أنه لا ينفع معنا إلا حكم الأسرة" يخدم بطبيعة الحال استمرار تدفق الثروات لفئة ضيقة، بينما يغرق الشارع نفسه تحت وطأة الغلاء والبطالة والفواتير الباهظة، وهو يصفق ويهلل للأسوار التي تحبسه. صندوق الاقتراع مرعب بالنسبة لهؤلاء لأنه يضعهم وجهاً لوجه أمام مسؤولية الاختيار، ويحررهم من اتكاليات طال أمدها.
خاتمة: الوهم الذي يسبق الانهيار
إن تمنيات المواطن العربي برؤية وطنه حرّاً، يختار حكامه وبرلمانه بكل نزاهة وشفافية، تصطدم بجدار سميك من القناعات المصنوعة التي يتبناها جزء من المجتمع دفاعاً عن استبداده. إن إقناع المواطن بأنه قاصر بالفطرة، وأن حكم الأسرة هو قدره الأبدي، هي الهزيمة الكبرى التي تسبق أي تغيير. غير أن البركان الحقيقي يختزن في الصدور، وحين تنكشف أوهام الاستقرار المصطنع أمام قسوة الواقع الاقتصادي، ستسقط كل مقولات "عدم الجاهزية"، وحينها لن ينفع السلطات ولا المدافعون عنها كل جدران الوصاية.