في بلاد تُرفع فيها شعارات "الرفاه والازدهار" في الواجهات، ويُفقر الشارع لتمويل المؤتمرات والمشاريع الاستعراضية، يدور كابوس حقيقي خلف الشاشات المغلقة. ليس العجب في أن يصرخ المواطن من قسوة الغلاء وضرائب الكهرباء والمياه، بل العجب العجاب في أن يكتب صرخته.. ثم يسارع بمسحها مرعوباً، خوفاً من بلاغ أمني يقتات على حريته ولقمة عيشه.
إنها ليس حالة فردية عابرة، بل هي ظاهرة الخوف الجماعي التي تضرب المجتمع السعودي بعمق، حيث يتحول فضاء "إكس" إلى مرآة عاكسة لبلاد يعيش أهلها تحت وطأة الرقابة الذاتية الصارمة وسوط الترهيب الممنهج.
حين أعلنت السلطات السعودية حزم الرسوم الجديدة على الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه، متبوعة بـ "منحة" هزيلة لا تتجاوز 500 ريال، انفجر الشارع سخطاً. كتب المواطنون بمرارة عن استحالة المعادلة: كيف يُكافأ من يتقاضى آلاف الريالات بدعم لا يغطي شيئاً، بينما تلتهم الأسعار والزيادات الضريبية جيوب المنهكين؟
لكن المفارقة الأكثر دلالة على حجم الاستبداد، أن هذه الأصوات الحرة، ما إن تلامس التفاعل وتفضح العجز الرسمي، حتى تختفي فجأة! يكتب المواطن الوجع، ثم يمحوه، حذراً من عواقب كلمة حق في وجه آلة قمع لا ترحم.
حين تنطق الخبرة.. وتتراجع النخبة خوفاً
ولم يعد الأمر مقصوراً على المواطن البسيط المعدم، بل امتد حتى لمن خدموا منظومة الإعلام الرسمي لسنوات طويلة؛ فحين تخرج شخصية إعلامية بارزة شغلت مناصب قيادية رفيعة (كمدير عام إذاعة الرياض سابقاً وعضو مجلس إدارة مؤسسة إعلامية كبرى)، لتكتب بوضوح عن فادحة الأعباء والسياسات ومنطق «خذ من جيبه وعيده»، ثم تعيد صياغة مواقفه أو تمسح تغريداته بعد ساعات، فإن ذلك يعري حقيقة مرة: لا أحد في المملكة مستثنى من سوط الخوف.
حين تصل الدولة بمؤسساتها إلى مرحلة تُرهب فيها حتى نخبها الإعلامية القديمة وتجبرها على ابتلاع أصواتها ومحو كلماتها، فهذا لا يعبر عن "قوة النظام"، بل عن هشاشته المطلقة، وعن عجز تام عن مواجهة الحقيقة بغير لغة التخويف والبلاغات الأمنية.
أعباء تُلقى على الكاهل.. وقمع يُخرس الأصوات
تفرض السلطات السعودية خياراتها الاقتصادية القاسية، وتُلقي أعباء العجز المالي والديون المتراكمة إلى جيوب الناس، مغلقة كل أبواب النقاش العام والاعتراض السلمي. يجد المواطن نفسه محاصراً بين سكين غلاء المعيشة وفاتورة الكهرباء والضرائب، وسيف الاعتقال والتشهير وملاحقة الأجهزة لكل من يجرؤ على قول الحقيقة.
إن سياسة ترويع الشارع وإجبار الناس على محو تغريداتهم وابتلاع شكواهم لن تنهي الأزمة، بل تحول الكبت الظاهري إلى بركان قادم لا يمكن السيطرة عليه.
خاتمة:
إن بقاء المواطن عاجزاً عن البوح بوجعه، ومضطراً لمسح تغريداته خوفاً من بطش الأجهزة، هو الإدانة الكبرى لمنظومة حكم تستبدل الحوار بالقمع، وتدير الأزمات بكم الأبواق. لكن التاريخ يثبت دائماً: الكلمات التي تُحذف من على الشاشات، تُحفر في الذاكرة الشعبية، ولن تنهي سياسات الترهيب غضب الشارع حين ينفجر.