«صوت الناس» تقرأ أبعاد القراءة السياسية للبروفيسور عبد الشافي: من محاذير مشروع «الفيدرالية المشبوه» في اليمن إلى حتمية التطبيع الاستراتيجي بين الرياض وطهران لإنقاذ المنطقة من مقصلة الفوضى الخلاقة.
في قراءة استراتيجية عميقة تُفكك أبعاد الصراع الجيوسياسي المحتدم في شبه الجزيرة العربية والخليج، أطلق أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، البروفيسور عصام عبد الشافي، سلسلة تحذيرات حاسمة تشخص مكمن الخطر القادم، مؤكداً أن الاستهداف الجاري للجمهورية اليمنية ومحاولات تفكيك بنيتها المركزية لا يمثل سوى «مقدمة خطيرة على طريق تفكيك المملكة العربية السعودية واستكمال تقسيم المنطقة».
تأتي هذه القراءة في وقت تشهد فيه المنطقة تحركات دبلوماسية وعسكرية متصاعدة، تُبرز صوابية الطرح القائل بأن استمرار حالة السيولة الأمنية والرهان على القوى الخارجية لا يحميان الدول، بل يمهدان الطريق لإسقاطها من الداخل.
أولاً: «الفيدرالية» خديعة التقسيم.. اليمن دولة مركزية أو لا تكون
حذّر البروفيسور عصام عبد الشافي بوضوح قاطع من الخطاب السياسي والإعلامي الذي يُروج لمشاريع "الفيدرالية" أو "الأقاليم" في اليمن، محذراً من أن هذه الطروحات سواء جاءت تلميحاً كما في وثائق 1994، أو تصريحاً في وثائق 2009، أو ترسيخاً ضمن مخرجات مؤتمر الحوار 2014 تُمثل مشروعاً تدميرياً ورعاية أمريكية-صهيونية ممتدة لتفتيت اليمن.
وأوضح عبد الشافي، استناداً إلى دراسات علمية معمقة للتجارب الوحدوية والفيدرالية عبر التاريخ، أن نموذج "الفيدرالية" لا يصلح مطلقاً للبيئة اليمنية، وأن الهدف الحقيقي من ورائه هو خلق ولايات وأقاليم هشة تُسهل السيطرة عليها وإلغاء سيادة الدولة المركزية.
وتُشير التقييمات إلى أن مشروع تقطيع أوصال اليمن ليس مجرد شأن يمني داخلي، بل هو سهم مُوجّه مستقبلاً ونحو العمق السعودي؛ إذ إن ضرب المكون اليمني الواحد يرفع سقف التهديدات المباشرة للحد الجنوبي ويفتح المنطقة على صراعات عرقية ومناطقية لا تنتهي.
ثانياً: التوازن الإقليمي.. حتمية التفاهم الاستراتيجي بين الرياض وطهران
على صعيد العلاقات الإقليمية، شدد البروفيسور عبد الشافي على أنه «لا أمن ولا أمان في منطقة الخليج دون تطبيع حقيقي واستراتيجي للعلاقات بين إيران والسعودية»، مؤكداً أن التهديئة التكتيكية أو المراهنة على خيارات جزئية (كما حدث في اتفاق مارس 2023) لن تكون كافية لدرء المخاطر الكبرى.
وأشار إلى أن كلا الدولتين تملكان مصالح استراتيجية مشروعة من حقهما الدفاع عنها، غير أن استمرار الصراع واستنزاف الطاقات بينهما يخدم بالدرجة الأولى "تجار الحروب والأنظمة الوظيفية في الإقليم" التي تدفع باتجاه التدمير والتفكيك الذاتي للدولتين.
وفي هذا السياق، اعتبر أن أي تحركات أو زيارات للحوار والتنسيق بين القوى الإقليمية يجب أن تكون بداية لطريق طويل لبناء الثقة قطعاً للطريق على المرتزقة والجهات الخارجية التي تعتاش من ديمومة الصراع وتعيش على تدفق الأموال.
تؤكد «صوت الناس» أن تحذيرات البروفيسور عصام عبد الشافي تضع يدها على الجرح الزمني والمستقبلي لسياسات نظام الحكم الفردي في السعودية؛ حيث كشفت سنوات الحكم الحالية عن عجز كامل في إدارة الأمن القومي.
إن الإصرار على تغييب الشعب عن صناعة قراره، بالتوازي مع خوض مغامرات غير محسوبة وتغذية الصراعات في اليمن والإقليم، لم يثمر إلا عن انكشاف استراتيجي وارتهان دائم للمشاريع الخارجية.
إن حماية المقدرات الوطنية، وصيانة حدود البلاد، وتجنب سيناريوهات التفكيك التي حذّر منها الأكاديميون والخبراء، لن تتحقق عبر القمع في الداخل واسترضاء القوى الأجنبية، بل عبر العودة لإرادة الشعوب، وإقامة حكم نظامي مؤسسي، وتبني سياسة خارجية استقلالية قائمة على العدالة والاستقرار الإقليمي الحقيقي.