تتكشف يوماً بعد يوم ملامح الانكشاف الاستراتيجي المزدوج الذي تعيشه السلطات السعودية، إذ لا تقتصر التبعات السلبية لغياب القرار السيادي المستقل على التهديدات الأمنية الراهنة فحسب، بل تمتد جذورها العميقة إلى فاتورة الحرب العبثية على اليمن التي أدارتها السلطات لسنوات طويلة مخلفةً دماراً هائلاً واستنزافاً غير مسبوق للمقدرات الوطنية، لتثبت مجدداً أن معادلة المغامرات العسكرية وتهميش السيادة لم تجلب للبلاد سوى المزيد من التراجع والإنهاك.
أوهام «الرؤية» وتجميد المشاريع المليارية تحت وطأة الأزمات
في الوقت الذي تُروّج فيه الخطابات الرسمية لقفزات اقتصادية ومشاريع عملاقة، تكشف التقارير الاقتصادية والدولية المتتابعة عن واقع مغاير تماماً؛ حيث بدأت السلطات السعودية بالتقليص التدريجي والتأجيل الشبه كلي لعدد كبير من المشاريع الصاخبة التي أُعلنت سابقاً ضمن ما يُعرف بـ «رؤية 2030».
ولم يعد سرّاً أن مشروعات متضخمة مثل "ذا لاين" في نيوم، والمكعب، والمشاريع الترفيهية المكلفة، أصبحت تواجه اقتطاعات مالية حادة وإعادة جدولة قسرية، إثر بروز عجز متراكم في الميزانية وتراجع عائدات النفط والتدفقات الاستثمارية التي اصطدمت بواقع مالي مرير، فاقمته التكاليف الباهظة لسنوات من الإنفاق العسكري في حرب اليمن العبثية. هذا التراجع الخفي يكشف حجم سوء التخطيط وإهدار الثروات الوطنية على صراعات خارجية ومشاريع دعائية افتقرت إلى الجدوى، ليتحمل المواطن في نهاية المطاف كلفة هذه القرارات عبر الرسوم والضرائب وضغوط المعيشة.
بالنظر إلى الارتهان الخارجي والانكشاف الإقليمي
وعلى الصعيد الجيوسياسي، تتضح خطورة هذا الانكشاف من خلال استمرار التخبط في إدارة الملفات الإقليمية، وتجسد ذلك مؤخراً في التسريبات حول طلب السلطات السعودية إنشاء قواعد عسكرية تركية دائمة على أراضيها على غرار «نموذج قطر»، فضلاً عن تحذيرات واشنطن الأخيرة للعواصم الخليجية بالاستعداد لسيناريوهات «حرب قصيرة ومكثفة» ضد إيران عقب الانتخابات الأميركية.
إن اللجوء الاستباقي للبحث عن "مظلات أمنية" خارجية يعكس إدراكاً متأخراً بعجز المنظومة الأمنية للبلاد عن بناء ردع استراتيجي حقيقي، خصوصاً بعد أن أثبتت سنوات الحرب العبثية على اليمن عجز الخيار العسكري عن تحقيق أي أهداف سوى جلب المخاطر للداخل. وبدلاً من معالجة أسباب الأزمات عبر سياسات إقليمية عقلانية قائمة على حسن الجوار وإنهاء تلك الحرب وتبعاتها بصورة جذرية، استمرت السلطات السعودية في رهن أراضي البلاد وشرايينها الاقتصادية لتكون مسرحاً لتصفية الحسابات.
وفيما يخص الاقتراض وتأمين السيولة
ولعلّ أحدث المؤشرات على هذا المأزق المالي والأمني هو توجه كبرى المؤسسات الوطنية، مثل شركة «أرامكو»، للجوء إلى البنوك الدولية للحصول على تسهيلات ائتمانية دوّارة بمليارات الدولارات لتأمين المرونة المالية وتوفير السيولة. هذا الاعتماد المتزايد على أدوات الدين والاستدانة يعكس حجم الضغوط المالية المتراكمة نتيجة استنزاف الموارد في نزاعات المنطقة وسنوات الحرب العبثية الفاشلة باليمن، إلى جانب تمويل صفقات الدفاع والإنشاءات الأجنبية.
إن المشهد اليوم يتلخص في معادلة مريرة: إرث ثقيل من حرب عبثية استنزفت البلاد، ومشاريع تنموية تتهاوى تحت ضغط العجز، وسيادة استراتيجية مُخترقة تُستبدل بالحماية الخارجية. إن الخروج من هذا المأزق التاريخي لا يكون عبر الاستمرار في سياسات الهروب للأمام أو بناء القواعد الأجنبية، بل عبر إشراك الشعب ومشاركته الحقيقية في تقرير مصيره، وتفعيل المساءلة والشفافية لإدارة ثروات البلاد، وتبني سياسات أمنية واقتصادية إصلاحية تضع مصالح الشعب وأمنه المستدام فوق كل اعتبار.