في الوقت التي تقوم فيه دول العالم بالتحقيق في الجريمة الأخلاقية الشنيعة (تهريب والاعتداء على القاصرات) ومحاسبة واقالة المتورطين، يلتزم النظام السياسي الصمت المطبق وكأن الأحداث لا تعنيه، فهذا يشبه سلوك النعامة التي تدس رأسها في التراب، وفي الوقت نفسه تجري الاستعدادات على قدم وساق لاعتلاء "ولي العهد" العرش على الرغم من ثبوت تورطه بشكل مباشر في تلك الجريمة النكراء التي ما انفك العالم يتحدث عنها. وبناء على الوثائق التي تم الإفصاح عنها، كان يجب إقالة ولي العهد وإحالته للتحقيق والمحاكمة كما أن التحقيق والمحاكمة والمحاسبة يجب أن تطال جميع موظفي الديوان الملكي الذين تورطوا في التواصل والتنسيق ودعوة بطل الجريمة المدوية لزيارة البلاد خصوصاً بعد ثبوت إدانته باغتصاب القاصرات، ويجب أن يحاسب حساباً عسيراً من عرض عليه وظيفة "مستشار" لرؤية الفشل كما ورد ذلك بالتفصيل في المراسلات والوثائق التي أفصحت عنها مؤخراً وزارة العدل الأمريكية. وكان من المفترض إعفاء ولي العهد من جميع مناصبه وتجريده من جميع ألقابه الملكية وإحالته للتحقيق على غرار ما قام به ملك بريطانيا الذي جرد شقيقه الأصغر من جميع ألقابه وحرمه من جميع مميزاته الملكية لكي يتم اعتقاله والتحقيق معه، وعندما سئل الملك عما حدث قال المهم هو سيادة القانون وأن تأخذ العدالة مجراها، كما تمت اقالة مسئولين كبار ولا زال الضغط مستمر على رئيس الوزراء لتقديم استقالته. أما في مملكة النرويج ففُتح تحقيق حول مدى تورط "ولية العهد" في العلاقة مع صاحب شبكة اغتصاب الأطفال بناء على المراسلات المنشورة بينهما، كما تمت إحالة رئيس وزراء سابق للتحقيق واقالة مسئولين كبار من مناصبهم. يحق لنا التساؤل عن أسباب اتخاذ تلك الأنظمة إجراءات صارمة ضد بعض أفراد الأسر الحاكمة وكبار مسئوليها، إن الأمر يتعلق بسيادة القانون الذي ينطبق على الجميع وفقاً لمبدا أنه لا يوجد أي أشخاص فوق النظام، كما أنه في الملكيات الدستورية فإن جميع الصلاحيات تعود إلى الشعب بما في ذلك شرعية وبقاء الأسر الحاكمة.
هل يا ترى ارتدع ولي العهد عن ارتكابه الجرائم البشعة بعد تلك الفضيحة المدوية التي هزت أركان المعمورة؟ على العكس تماماً، فلقد مارس الهروب إلى الأمام بممارسة المزيد من الاعدامات من خلال استخدام المحاكم "الشرعية" وأجهزة الدولة "العدلية" التي يديرها شخصياً وبشكل مباشر، فعلى الرغم من تعهد النظام السياسي الكف عن الاغتيالات السياسية وممارسة القتل خارج سلطة القانون، أصبح الديوان الملكي يعد قوائم البطش والعقوبات ويبعث بها إلى العناصر الفاسدة في "أمن الدولة" حتى تعتقل الأفراد المذكورين في تلك القوائم، ومن ثم تتم إحالتهم إلى "النيابة العامة" التي تقوم بدورها بتلفيق التهم المفبركة ضدهم، ومن ثم إحالتهم إلى "محاكم التفتيش" التي تعقد جلساتها سراً حتى "تبصم" على تلك التهم وتجرم الأبرياء في ظل غياب "فرضية البراءة" التي تعد أهم ركائز المحاكمة العادلة. وبالتالي فإن ولي العهد يتحمل المسئولية الكاملة عن جميع تلك الأحكام القضائية التي أمر بها والتي أدت إلى اعدام المئات من الأبرياء الذين لا تمثل التهم الموجهة لهم شيئاً يُذكر بالمقارنة بالجرائم الشنيعة التي ارتكبها ولي العهد نفسه.
ويأتي في هذا الصدد التسبب في تراكم المديونية العامة من خلال إنفاق المال العام على مشاريع استثمارية خيالية أدت إلى إفلاس الميزانية العامة، حيث إنه لم يكتف بإنفاق الفوائض المالية التي تراكمت خلال الفترات الماضية، بل توجه للاقتراض من المصارف التجارية والصناديق المحلية مما أدى إلى سحب السيولة من السوق المحلي مما أدى إلى تراجع الإنفاق على المشاريع الاستثمارية الحقيقية التي قد تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني. إن المشكلة تكمن في التصرف في المال العام كملكية خاصة حيث يتم إهداره في مشاريع عالية المخاطر دون الرجوع إلى نواب الشعب الذين كان من الممكن أن يمثلوا الرقيب القادر على ردع العابثين بأموال الأمة ومحاسبة المقصرين وإيقاف المعتدين على المقدرات الوطنية، لذا فإن نواب الأمة المنتخبين وحدهم القادرون على ملاحقة ومحاسبة الفاسدين إذ لا يمكن للنظام السياسي أن يخضع كبار قادته للتحقيق فضلاً عن المحاكمة والعقاب. أما الآن بعد الاعتراف الرسمي بفشل مشاريع الرؤية فهل يملك النظام السياسي الشجاعة ويحمّل ولي العهد (عرّاب الرؤية) المسئولية الكاملة عن هذا الإخفاق الذي تسبب في إفلاس ميزانية الدولة ويطالبه بإعادة الأموال المفقودة والمسروقة والمهدرة.
وفي الختام فإن الشفافية والرقابة والمحاسبة هي الأدوات الأساسية لتحقيق العدالة، والعدل أساس الملك، أما الحكم فهو مناط بالشعب الذي تخضع له كافة السلطات، ونواب الشعب المنتخبون وحدهم القادرون على محاسبة أفراد الأسرة الحاكمة وكبار المسؤولين الذين لازالوا يعتقدون أنهم قادرون على الإفلات من العقاب، وعليه يمكننا القول إن الأمة القادرة على محاسبة كبار قادتها هي الأجدر ليس بالبقاء فحسب، ولكن هي كذلك الأقدر على التقدم والتطور والارتقاء.